ابن بسام
17
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وشرع هذان الرئيسان مظفر ومبارك ، لأول سلطانهما هنالك ، في بناء بلنسية وتحصينها وسدّ عوراتها بسور أحاط بالمدينة [ 1 ] ، تحت أبواب / حصينة ، فارتفع الطمع عنها وأقبل الناس إليها من كلّ قطر بالأموال ، وطمحت بسكانها الآمال [ 3 ب ] واستوطنا جملة من جالية قرطبة القلقة الاستقرار ، فألقوا بها عصا التسيار ، وأجمل عشرتهم ، فبنوا [ 2 ] بها المنازل والقصور ، واتخذوا البساتين الزاهرة ، والرياضات الناضرة ، وأجروا خلالها المياه المتدفقة . وسلك مبارك ومظفر سبيل الملوك الجبارين في إشادة البناء والقصور ، والتناهي في عليّات الأمور ، إلى أبعد الغايات ، ومنتهى النهايات ، بما أبقيا شأنهما حديثا لمن بعد هما . واشتمل هذا الرأي أيضا على جميع أصحابهما ، ومن تعلّق بهما من وزرائهما وكتابهما ، فاحتذوا فعلهما في تفخيم البناء ، فهاموا منه في ترّهات مضلّة ، وتسكعوا [ 3 ] في أشغال متصلة ، لاهين عما كان يومئذ فيه الأمة ، كأنهم من اللّه على عهد لا يخلفه ، واتسع الحدس في عظم [ 4 ] ذلك الإنفاق ، فمنهم من قدّرت نفقته على منزله مائة ألف دينار وأقلّ منها وفوقها ، حسب تناهيهم في سروها : من نضار الخشب ورفيع [ 5 ] العمد ونفيس المرمر ، مجلوبا من مظانّه ، وجلب إليهم سني الفرش من سائر الحلي والحلل [ 6 ] ، فنفق سوق المتاع بعقوتهم [ 7 ] ، وبعثر عن ذخائر الأملاك لقصرهم ، وضرب تجارها أوجه الركاب نحوهم ، حتى بلغوا من ذلك البغية وفوق ملء فؤاد الأمنية [ 8 ] ، فما شئت من طرف رائع ، ومركب ثقيل ، وملبس رفيع جليل ، وخادم / نبيل ، وآلات متشاكلة ، وأمور متقابلة ، تروق الناظرين ، وتغيظ الحاسدين ، حرسها لهم المقدار إلى مدّة . بلغني أنه دخل دار رجل من أصحابهما يعرف بمؤمّل القشتالي [ 9 ] ووقع البصر بها من سروها واكتمال النعمة فيها على ما لم يشاهد مثله قطّ في قصر الإمارة بالحضرة
--> [ 1 ] د ط س والبيان : وكانا بنيا بلنسية وسدا عورتها بسور أحاط بمرفئها . [ 2 ] س : فتبوءوا . [ 3 ] د ط س : واتسعوا ؛ البيان : وتكسفوا . [ 4 ] م والبيان : عظيم . [ 5 ] م : واجتلب رفيع . [ 6 ] وجلب . . . والحلل : سقط من ط د س . [ 7 ] د س ط : بعقرهم . [ 8 ] وفوق . . . الأمنية : سقط من ط د س . [ 9 ] ط د س : بمولي القشتيلي . الذخيرة مجلد 23